محمد بن جرير الطبري
217
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً قال : إن لله السلطان على خلقه ، ولكنه يقول عذرا مبينا . حدثني المثنى ، قال : ثنا قبيصة بن عقبة ، قال : ثنا سفيان ، عن رجل ، عن عكرمة ، قال : ما كان في القرآن من سلطان فهو حجة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : سُلْطاناً مُبِيناً قال : حجة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ يعني جل ثناؤه بقوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ إن المنافقين في الطبق الأسفل من أطباق جهنم . وكل طبق من أطباق جهنم درك ، وفيه لغتان : درك بفتح الراء ، ودرك بتسكينها ، فمن فتح الراء جمعه في القلة أدراك ، وإن شاء جمعه في الكثرة الدروك ، ومن سكن الراء قال : ثلاثة أدرك ، وللكثير : الدروك . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة : " في الدرك " بفتح الراء . وقرأته عامة قراء الكوفة بتسكين الراء . وهما قراءتان معروفان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، لاتفاق معنى ذلك واستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في قراءة الإسلام . غير أني رأيت أهل العلم بالعربية يذكرون أن فتح الراء منه في العرب أشهر من تسكينها ، وحكموا سماعا منهم : أعطني دركا أصل به حبلي ، وذلك إذا سأل ما يصل به حبله الذي قد عجز عن بلوغ الركية . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن خيثمة ، عن عبد الله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ قال : في توابيت من حديد مبهمة عليهم . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن سلمة ، عن خيثمة ، عن عبد الله قال : إن المؤمنين في توابيت من حديد مقفلة عليهم في النار . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن ذكوان ، عن أبي هريرة : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ قال : في توابيت ترتج عليهم . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ يعني : في أسفل النار . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال لي عبد الله بن كثير ، قوله : فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ قال : سمعنا أن جهنم أدراك ، منازل . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن خيثمة ، عن عبد الله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ قال : توابيت من نار تطبق عليهم . وأما قوله : وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً فإنه يعني : ولن تجد لهؤلاء المنافقين يا محمد من الله إذا جعلهم في الدرك الأسفل من النار ناصرا ينصرهم منه ، فينقذهم من عذابه ، ويدفع عنهم أليم عقابه . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً وهذا استثناء من الله جل ثناؤه ، استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا وأخلصوا الدين لله وحده وتبرءوا من الآلهة والأنداد ، وصدقوا رسوله ، أن يكونوا مع المصرين على نفاقهم ، حتى يوفيهم مناياهم في الآخرة ، وأن يدخلوا مداخلهم من جهنم . بل وعدهم جل ثناؤه أن يحلهم مع المؤمنين محل الكرامة ، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة ، ووعدهم